الشيخ محمد رشيد رضا
8
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الكافر بهما أو بأحدهما ، ثم جزاء من أقامهما كما أمر اللّه ان يقاما ، فقال إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ هذا القول منهم تفسير لتفرقتهم بين اللّه ورسله أي يؤمنون باللّه ولا يؤمنون برسله ، وهم فريقان منهم من لا يؤمن بأحد من الرسل لإنكارهم الوحي وزعمهم ان الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام قد أتوا بما أتوا به من الهدى والشرائع من عند أنفسهم ، وأكثر كفار هذا العصر من هذا الفريق ، ومنهم من يؤمن ببعض الرسل دون بعض ، بل يقولون ذلك بأفواههم ، ويدعونه بألسنتهم ، - كقول اليهود نؤمن بموسى ونكفر بعيسى ومحمد وان لم يسموهما رسولين - وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا اي طريقا بين الايمان باللّه ورسله بفصل أحدهما عن الآخر * * * أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا هذا هو الخبر الذي حكم اللّه تعالى به على أولئك المفرقين بينه وبين رسله أي أولئك المفرقون هم الكافرون الكاملون في الكفر الراسخون فيه ، وأكد هذا الحكم بالجملة المعرفة الجزئين المشتملة على ضمير الفصل بينهما ، وبقوله « حقا » واي حق يكون أثبت وأصح مما يحقه اللّه تعالى حقا ؟ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ منهم ومن غيرهم - وهذه هي نكتة وضع المظهر موضع الضمير إذ قال « للكافرين » ولم يقل « لهم » - عَذاباً مُهِيناً أي ذا إهانة تشملهم فيه المذلة والضعة . أما سبب هذا الحكم الشديد ، وما ترتب عليه من الوعيد ، فهو ان من يؤمن باللّه اي بأن للعالم خالقا ولا يؤمن بوحيه إلى رسله لا يكون إيمانه بصفاته صحيحا ، ولا يهتدي إلى ما يجب له من الشكر سبيلا ، لا يعرف كيف يعبده على الوجه الذي يرضيه ، ولا كيف يزكي نفسه التزكية التي يستحق بها دار كرامته ، ولذلك نرى هؤلاء الكافرين بالرسل ماديين لا تهمهم الا شهواتهم ، وأوسعهم علما وأعلاهم تربية من يراعي في أعماله ما يسمونه الشرف باجتناب ما هو مذموم بين الطبقة التي يعيش فيها أو اجتناب إظهاره فقط